يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
29
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
من ارتجاس الإيوان ، وخمود النيران ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام . وسقطت من قصره أربع عشرة شرفة ، وأخبره الموبذان - ومعناه القاضي أو المفتي بلغتهم - : أنه رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم ، وغارت بحيرة ساوة ، فأرسل كسرى عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيل الغساني ، وكان سطيح من أخوال عبد المسيح ولذلك أرسله كسرى - فيما ذكر الطبري - إلى سطيح يستخبره علم ذلك ويستعبره رؤيا الموبذان ، فقدم عليه وقد أشرف على الموت ، فسلم عليه فلم يحر سطيح جوابا ، فأنشأ عبد المسيح يقول : أصم أم يسمع غطريف اليمن * أم فاد فازلم به شأو العنن يا فاصل الخطة أعيت من ومن * أتاك شيخ الحي من آل سنن وأمه من آل ذئب بن حجن * أبيض فضفاض الرداء والبدن رسول قيل العجم يسري للوسن * لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن تجوب بي الأرض علنداة شزن * ترفعني وجنا وتهوي بي وجن حتى أتى غار الجآجي والقطن * تلفه في الريح بوغاء الدمن كأنما حثحث من حصى تكن تكن : اسم جبل . فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه ، فقال عبد المسيح على جمل مشيح جاء إلى سطيح ، حين أوفى على الضريح ، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان . رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها ، يا عبد المسيح ، إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة ، وخمدت نار فارس ، وغارت بحيرة ساوه ، وفاض وادي سماوه ، فليست الشام لسطيح شاما ، ولا بابل للفرس مقاما ، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت . ثم قضى سطيح مكانه . قوله ازلم : معناه قبض ، قاله ثعلب . وقوله شأو العنن : يريد الموت وما عنّ منه . قاله الخطابي . وفاد : مات ، يقال منه : فاد يفود ، وأما يفيد فمعناه يتبختر . وتقدم قبل هذا ذكر الفسطاط وهو اسم مصر المشهورة ، سميت بهذا الاسم من أجل أن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه لما نزل عليها وحاصر أهلها ؛ ضرب فسطاطه بها . وهو الخباء . ثم تشاغل عن دخوله بالقتال والمحاصرة ، فلما افتتح البلد وأراد النزول إلى الإسكندرية وجد في الفسطاط حماما قد عشش فيه وباض . فكره أن يقوّضه فأمر بالخباء أن يبقى على حاله ، ووكل به من يحفظه حتى يفرخ الحمام ، فكان ذلك ،